أينما دخلت عوامل الفتنة والدسيسة من الخارج، وطالت شعباً يتوخى استقراره أو ينشد حريته؛ فإن العلاقات الداخلية تنفتح على كل الشياطين. ومثلما حدث في فلسطين التي ما زالت تشهد الفتنة واستقواء "حماس" على الشعب في غزة وأخذه الى الحصار والألم وانسداد الآفاق؛ كان العامل الخارجي "الإخواني" المعزز قرضاوياً و"إخوانياً" هو سبب هذا العناد الذي نلمسه صبح مساء. فكلما توهم المتفائلون أننا اقتربنا من إعادة اللحمة الى الكيانية الفلسطينية، نصطدم بمواقف تتنطع بتفصيلات من اختلاقها وتدير الدفة الى وجهة الخصومة. وعلى أية حال، ليس هذا هو موضوعنا في هذه السطور!
فما نحن بصدده، هو هذه العاصفة التي تجتاح لبنان الشقيق من أقصاه الى أقصاه. فليس سوى الصراع في سوريا، ومنحى الأبدية في منطق النظام حيال مسألة الحكم الذي لا يتخلى عن استبداده؛ هما اللذان أعادا لبنان الى مناخات منتصف القرن التاسع عشر، وطي كل ما بات بديهياً من مقولات العيش المشترك ونهائية الوطن وأوليّة الحوار، وغيرهما من مقولات ومفاهيم، تساعد على سلامة سياق الأيام في الحياة. إن عناصر الفتنة والدسيسة، رزمة متماسكة من التدخلات الخارجية التي أنشأت استطالاتها على الأراضي اللبنانية. فما حدث خلال أوقات الاستقرار النسبي في لبنان، أن "حزب الله" وجماعة "القوات اللبنانية" وهما على طرفي نقيض؛ تحالفا لبعض الوقت، إذ كانت الأخيرة في حاجة الى شكل من التقارب مع الأول، لتعويم دورها وتكريس حضورها. لقد تحالف الفريقان في بعض المواضع في إحدى المناسبات الانتخابية. لكن عناصر المشكلة بقيت كامنة لأن "حزب الله" ظل يرتهن الى إيران والى النظام السوري حكماً، بينما ظلت "القوات" تتقاطع مع الإسرائيليين، دون المجاهرة بتحالف مرئي بعد اتفاق الطائف. وإسرائيل، كما هو معلوم، مدت الخط الأخطر من الدسيسة والفتنة في لبنان، وما زالت في الملعب وإن كانت مستترة وغير مرئية إلا من اعتداءات بين الحين والآخر!
في مناخ الفوضى والانقسام في لبنان، سعى حزب "القوات اللبنانية" الى حوار من أجل لبنان المستقر، كهدف وأمنية للبنانيين، وذلك بعد أن تعلم سمير جعجع درس السجن الذي كان درساً في السياسة. غير أن الذين يتخذون من مفردات "المقاومة" و"الممانعة" مادة أساسية لتكثيف النيران في سوريا؛ وجدوا انهم يهزون مقولاتهم ويُفرغونها من مضمامينها، في حال التوصل الى رؤية لبنانية مشتركة مع "حزب القوات". ذلك علماً أن بمقدورهم وضع آليات للتأكد من انتهاء كل اشكال العلاقة بين هذا الحزب وإسرائيل، وإنجاز عملية غسل ذلك العار. لكنهم لم يفعلوا لأنهم ميالون الى تخوين أعدائهم في سوريا وهم الذين لم يعرفوا إسرائيل، ومن بينهم جماعات المعارضة الأصولية المتطرفة. واللافت أن "حزب الله" وهو يقاتل في سوريا، يتمنى أن تلتصق صفة العملاء بكل معارضي النظام، لكي يكرّس نفسه حارساً لشرف الأمة. وبالطبع لن يكون "حزب الله" في معركة الاستحقاق الرئاسي؛ إلا مؤيداً للجنرال ميشيل عون، ولن يستمع لتوسلات "حزب القوات" للحوار وصولاً الى التوافق، وتسهيلاً لترشح سمير جعجع. إن المسألة هنا، ليست مبدئية، لأن التوافق بين الطرفين حدث في انتخابات 2009 . لكن الموقف الآن، من أي مرشح، يُقاس على الموقف من الصراع في سوريا. وسيواجه لبنان، معضلة كبرى في انتخاب رئيس للجمهورية يخلف ميشيل سليمان. فقد كان سهلاً على الجنرال عون، أن يتفاهم ويتقارب مع تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري، ولم يلق ذلك تبرماً من "حزب الله" الذي يدعم عون. هنا سجل جعجع محاولته للاقتراب من "حزب الله" وفشل، وقد أخطأ في مسعاه لأن موقفه من الصراع في سوريا، لأسباب تاريخية، لا يمكن أن يؤهله للحصول على دعم قوة تقاتل مع النظام السوري!
لعل أسوأ في الأمر، بمعيار المحصّلة التي تُلقي بثقلها على الشعب اللبناني والدولة، هو تلك الاستطالات الإقليمية من جنس الفتن والدسائس، إسرائيلية وطائفية مقيته، التي تستهتر بحياة شعب لبنان وبدولته، وتبيعهما الأوهام والآلام، وتفتح الباب لاستعادة مواضع الاحتراب في تاريخ الطوائف وتجتر الإشكالات القديمة، وتطلق العنان للسجالات حول الطموحات والتحالفات!
[email protected]
لبنان المضطرب والاستحقاق الرئاسي
تاريخ النشر : 2014-03-30 13:16
