الصحفيون والكتاب والساسة وكل من يمتلكون القدرة على النشر والترويج للأفكار والمواقف والتأثير على آراء الناس ومعلوماتهم هم قادة للرأي.. قادة يقدمون منتجًا تتغذى عليه العقول، فإما أن يكون مسمومًا وإما أن يكون وجبة تحمل من المضامين ما يُثري جهودًا متراكمة تنهض بالمستوى العام لوعي الجمهور.
والثورة التكنولوجية ملّكت الجميع القدرة على النشر والاتصال المباشر بمكونات المجتمع وشرائح كبيرة منه ما يستدعي الوقوف على أدوار من يمثلون النموذج الذي يبحث عن موقفه وآرائه مختلف الأعمار والناس.. ما يردّنا إلى سؤال يتداوله مجتمع الصحفيين ومثّل مادة نقاش واسعة، هل الصحفي شخصية عامة ويُحاسب من هذا الباب؟
تفرّق الصحفيون على آراء تصادمت في إجابة هذا السؤال الذي لن أخوض في إجابته فلن تكون أكثر من رأي رفضه أو انحاز له من سبقَ في الحديث عن الأمر، لكن ما يجدر الحديث عنه أن الثابت بين الجميع، أن الصحفي من صنّاع الرأي وقادته، ولو سألنا أي صحفي، مهما كانت مكانته في سلم الصحافة، فسيزعم أنّه يبحث عن منح الناس المعلومات والحقائق، هنا بمجرد أن ينطق بهذه العبارة اللطيفة، يجعل نفسه في سياق المؤثرين وقادة الرأي بشكل فوري.
وقيادة الرأي مسؤولية، هي أبعد مما نمارسه جميعًا من ارتجال سمج، وبث لمصطلحات بائسة، وأسلوبٍ أقرب إلى "ستاند أب كوميدي فاشل" في معالجة ملفات تهم الناس، سياسية أو غيرها، حتى إننا نظن أنّ هذا جزء من عملية كتابة الرأي الساخر، التي هي في الأصل حرفة دقيقة صعبة، تحتاج للتوازن في بناء المضمون، واتساقه مع أصول اللياقة، علاوة على نخز الوعي على طريق التحفيز للتطوير، لا على طريق التقزيم والتشويه.
هل آراؤنا نحاسب عليها؟ هل الصحفيون والكتاب وقادة الرأي شخصيات عامة؟ ربما لا ينظر القانون مطولًا في هذا الأمر، لكنّ الوازع المهني، والرغبة في منح الآخرين معلومات ومواقف نقية سليمة، وتكريس نهج سويٍّ محترم للتفكير في المجتمع يتعين أن يكون وفيرًا لدى كل صانع رأي أو قائد له.
مؤسف أننا جميعًا حتى من يمتلكون هذه الحساسية لدى الأمور يقعون في مزالق الاستهانة بعقول الآخرين فيما نبثه من معلومات أو تحليلات أو آراء... مثلا: يدرج مصطلح "السحيجة" بين خصوم الرأي، فهذا يدعي أن الآخر "سحيج" وذلك يرُدّها له... حسنًا، مثير للشفقة هذا السجال، فببساطة حين تتهم أحدًا أنه سحيج لانحيازه لفكرة لا تلائمك، تذكّر أنك منحاز لنقيضها.. تذكّر أنك مثله وكلاكما لا تمتلكان الحقيقة المطلقة والموقف المعياري السليم المناسب للجمهور كي تفرضاه عليه... كلاكما صار "سحيجًا" هو أبعد ما يكون عن حوار فكري محترم... ولعل أحزابنا السياسية تحمل مسؤولية كبرى في هذه الحالة، فهي شريكة بالغياب تارة وبالمساهمة تارة أخرى في الحالة القائمة المستوجبة أن تعود تلك الأحزاب لممارسة دور "نقي لا فساد فيه ولا ثأرية" في تحريك الفكر، والثقافة، والوعي السياسي.
هذا نموذج بسيط سهل لما يجري من صناعة شاذة غير مقصودة لكنها موجودة للتنافر، والكراهية، والتفكك، صناعة سوداء في سوق العقول المفتوحة لتتلقى بلهفة ما تحتاج من معلومات... صناعة تُقَدّم للمواطن الفلسطيني نموذجًا بائسا يُعْلي من شأن "الفهلوة الكلامية" و"قبضايات الكلام" على أنهم "الأجرأ أو الأحرص"... وبالطبع من كل حدب فكري أو صوبٍ منحاز لما يعتقد... الكل مشارك في هذه السوق بصناعة تخترق العقول بالتلوث، وما نعيشه في مختلف الدول العربية حالة من الفساد الفكري ساهم فيها الجميع... والعذر القبيح دومًا هو حرية الرأي والتعبير، التي نُطلبها لنضرب بها بعضنا أغلب الوقت ونؤجج بها الخصومة، مع أنها صُمّمت اصطلاحًا ونهجًا لتكون عاملَ دفع للوعي، وحقًّا في التعبير عن المُختلف الداعي للتطوير، مرورًا بالتغيير، فالتغيير عملية باتجاهين صعودًا أو هبوطًا، ونحن احترفنا التغيير هبوطًا بالسلوك ومناهج التفكير إلى الأسوأ... صحيح أنّ كثيرًا من المفاهيم والمعرفة بُثّتْ، ومساحات كانت محظورة فُتحت للشباب الفلسطيني أو العربي، لكنّها فُتحت لا لأننا أجدنا التعاطي مع الأمور، بل لأننا نبحث عن نموذج "الفتوة" في كل شيء، النموذج الذي يمنحنا "المراجل" في زمن نعاني فيه من الشعور بالنقص والضعف أمام الأمم.
إن تجوال العقول في بعضها عملية متاحة، وقائمة ومستمرة، وإن كُنت أحد الذين يستمع لهم الناس، ويفتحون له عقولهم لتبث فيها ما لديك، في عقلك، فاعلم أن هذه ثقة لا تستحق العبث ونقل الموقف المسخ، سواء كنت معارضًا أم مواليًا لنظام ما، كاتبًا أو مفكرًا أو مثقفًا أو صحفيّا، واعلم أن المرحلة تثني ورقتها المراحل القادمة مقارنة بعمر الشعوب، ولن تدوم وخصمك، وما سيبقى خلفكما آثار ما فعلتماه في عقول الآخرين، آثار ستظهر على جسد المستقبل.
